نقف اليوم على أعتاب الألفية الثالثة بكل إجلال واحترام أمام رجل دين يأخذ بكل إيجابي في أيديولوجيات العالم الحديث, بدءاً من الاشتراكية إلى الرأسمالية ووصولاً إلى العلمانية. فكان بحق مفتياً عصرياً واستثنائياً لسورية . إنه سماحة المفتى العام للجمهورية العربية السورية الشيخ أحمد بدر الدين حسُّون.
إذا تتبَّعنا مسيرة الشيخ وجهوده منذ تسلمه منصب الإفتاء, تأكدت لنا نظرته العصرية, ومرونته الفكرية في نهج منهج الوسطية والانفتاح الفكري والديني, والمشفوع دائماً بابتسامة الرضا وقبول الآخر, فمن حضور الندوات الدينية ورعاية الجمعيات الخيرية إلى لقاءات واجتماعات برجال الدين المسيحي, نلمس الطابع الحضاري وأصالة الفكر الإسلامي لديه دون تزمُّت أو انغلاق.
إننا نتطلع دون أدنى شك إلى الخروج على العالم المعاصر بأخلاقنا وسلوكنا الذي سنه لنا الإسلام - وهو دين السلام والمحبة - وما زيارة سماحة المفتي حسُّون إلى ألمانيا مؤخراً إلا دليل دامغ على نفض غبار التقوقع, وقبول ما لدى العالم من أفكار ومقترحات تعمل على تعريف الشعوب ببعضها البعض. على المستوى السياسي والديني والاجتماعي.
إن وقوف الشيخ حسّون في البرلمان الألماني وإلقاءه عدة محاضرات في مدينة آخن الألمانية, يشكل مصدر فخر واعتزاز للأمة الإسلامية, من خلال اعتلاء أحد علمائها منبر التعريف والتثقيف الإسلامي لتوضيح الصورة وكشف الغمامة الموضوعة أمام هذا الدين الحنيف لكل ساسة ومواطني العالم في الغرب قبل نظرائهم في الشرق.
وبالعودة إلى زيارة ألمانيا والتصريحات التي أدلى بها سماحة المفتي في مدينة آخن, وتلك التي أضافها في لقاء خاص مع ” العربية .نت ” تستوقفنا أمور عدة, كانت وما زالت مثاراً للجدل بين علماء المسلمين ومفكريهم, منها تعريفه الشمولي بنفسه من خلال قوله: أنا مسلم في عقيدتي, عربي في لغتي, إنساني في عالميَّتي, سني في اقتدائي, شيعي في ولائي, سلفي في جذوري, صوفي في حبي ونقائي.
نقرأ في هذا التعريف شمولية الفكر الإسلامي والتطلع إلى دمج مذاهبه وصبّها في بوتقة واحدة هي وعي المسلم للمرحلة التاريخية التي يعيشها. فليس هناك تناقض مع الذات, أو خلطة سحرية تأخذ من كل مذهب بطرف. كما يتبدَّى للرائي من الوهلة الأولى, إنما تفهم العبارة من باب إسقاط الصفة على الموصوف, دون التزامه (الموصوف) بكل متعلقات الصفة سلوكاً واعتقاداً, ففي إشارته ” أنا سني في اقتدائي - شيعي في ولائي - سلفي في جذوري - صوفي في حبي ونقائي” إنما أخذ من أهل السنة والجماعة صفة الاقتداء بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام, وأخذ من أهل الشيعة صفة الولاء ومحبتهم للرسول الكريم وآل بيته رضوان الله عليهم, وأخذ من السلفيين عمق تجذرهم وارتباطهم بأصول هذا الدين, ومن الصوفية صفة المحبة والصفاء. من هنا كان التطلع جامعاً لكل صفات الاعتدال والوسطية, ومن هنا لا نرى ضيراً في تصريح سماحة المفتي سابقاً بأن العلمانية كفكر لا تتعارض مع الإسلام كدين.
أما فيما يتعلق بالمحاضرة التي حملت عنوان ” ليس هناك حروب مقدَّسة إنما هناك حروب عادلة ” فلنا عليها بعض الوقفات:
نعم، لم تكن الحرب في يوم من الأيام حرباً مقدسة, ولن يحمل قتل الناس والتدمير يوماً معنى السمو والرفعة. فالحرب كخيار استراتيجي تمثل الورقة
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ